الإيداعات المليونية بين الهوى السياسي والحقيقة القانونية

28 نوفمبر، 2011

 

 نشر خبر «الفضيحة المليونية» بحد ذاته يشكل جريمة وفق المادة (85).
 قد يكون القائمون على عملية غسل الاموال غير مشتركين في الجريمة.
 البنك تلقى الايداعات منذ عام 2008 ولم يبلغ عنها.
 بلاغات البنوك بشأن غسل اموال وليس إيداعات مشبوهة.

 


 

بقلم المحامي نجيب الوقيان: 

 

السياسة والصحافة في الكويت اصبحت نوعاً من السحر يمارس على الناخبين والقراء فأصبحنا نرى بأعيننا ما خيل لنا وما ارادوا لنا ان نراه كأنه حقيقة، مجرد حبال استرهبت اعيننا وشغلت تفكيرنا فاجتمعنا ووقفنا واستجوبنا، هي مجرد حبال والحقيقة القانونية هي عصا موسى التي تلقف مايصنعون وتزيل السحر عن اعيننا، فالقانون لا يعرف السحر كما تعرفه السياسة والصحافة فهو مجرد حقائق وفقط، فتمثال العدالة اعمى لانها تبحث عن جوهر الحقيقة دون النظر الى من يقف امامها لكي لا ترى الا الحقيقة دون زيف او تصنع او تمثيل، فتعالوا نرى بعين القانون قضية الايداعات المليونية بموضوعية بعصا موسى بعيداً عن التشنج السياسي والقبلية او الطائفية موالاة او معارضة فانا لا انتمي الى اي عمل سياسي فليس لدي يد مرتعشة حينما يتعلق الامر بالقانون فتعالوا نتحدث قانون وقانون فقط.
بدأت قضية الايداعات المليونية بما نشرته جريدة القبس بتاريخ 2011/8/20 على صفحتها الاولى مقال تحت عنوان «17 مليونا في حساب نائب و 8 في حساب آخر اموال لنواب تربك المصارف والجهات الرقابية»، وأوحى المقال في عباراته للقارئ ايحاء يصل لدرجة التصريح بان هذه الاموال عبارة عن مال سياسي ورشوة لشراء اصوات ومواقف النواب، وكعادة الرأي العام يرى ما استرهبت اعينهم الصحافة وارادته ان يراه فوجه الاتهام واصدر الحكم ان الايداعات هي مال سياسي من رئيس الحكومة وجريمة رشوة للنواب، فقامت الكويت ولم تقعد من حينها وعلى اثر هذه الضجة اضطر بنكان فقط – احدهما من سرب الاخبار للصحيفة – بالتقدم ببلاغات الى النيابة العامة بتهمة اشتباه في ارتكاب الاعضاء جريمة غسل اموال وهنا مارس البنك سحره فتقدم بما كان يجب عليه من البداية منذ بداية الايداعات المليونية عام 2008 وقصر رغم مسؤولية الجنائية عن الابلاغ منذ البداية، ومع ذلك استمر الرأي العام يرى ما يراه السياسيون ان المال سياسي ورشوة بعيداً عن الحقيقة فهي عن ادراك الحقيقة القانونية وابعادها في هذه الموضوع ومن اسف فان هوى السياسة اصاب بعض القانونيين فاختلط الامر واختلطت الرؤية.
حقيقة الامر ووفق تسلسله التاريخي ان نشر الخبر كان بحد ذاته جريمة ويكشف عن روابط معروفة وخلفيات مفهومة بين طرفي الخبر ومن هنا كان السحر فالجريدة والبنك اخترقا بهذا الخبر المادة (85) مكرر من القانون رقم 32 لسنة 1968 في شأن النقد وبنك الكويت المركزي والمهنة المصرفية والتي نصت على «على اي عضو في مجلس ادارة في بنك، او اي مدير او موظف او مستخدم في البنك، ألا يفشي اي معلومات – اثناء عمله وبعد تركه للعمل – تتعلق بشؤون البنك او العملاء.
…، يعاقب من يخالف الحظر الوارد في الفقرة السابقة بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر وبغرامة لا تجاوز مائتين وخمسة وعشرين دينارا، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع الحكم على الجاني بالعزل في جميع الاحوال».
المؤسف في هذا الخبر ويضع علامات استفهام على العمل المصرفي في الكويت ان هذا الموضوع ليس بالمرة الاولى ويذكرنا بسابقة خطيرة ايضا من احد البنوك المعروفة حين افشى سرا وسلم صورة شيك لرئيس الحكومة لاحد النواب فيما عرفت بقضية الشيكات وقضي فيها بمعاقبة النائب الاشتراك مع موظف البنك… لانتهاكهما مبدأ واحترام السرية المصرفية، التي لا يجوز الكشف عن حسابات ومعاملات أي عميل سوى في حالات استثنائية جدا مثل غسل الاموال وتمويل الارهاب ولجهات محددة سلفا ليس من بينها في جميع الاحوال الصحف، وعلى هذا فإن ما بدر من الصحيفة ذات الروابط المعروفة بالبنك يمثل الاشتراك في جريمة كشف اسرار مصرفية واستطاعا بسحرهما ان يطمسا هذه الواقعة الخطيرة والتي تشكل عدة جرائم وتثير اسئلة عديدة عن مدى مسؤولية العمل المصرفي في الكويت فاستطاعا توجيه اعين الرأي العام الى جرائم ليست واضحة بوضوح الجرائم التي ارتكباها، وقد افلحا في ذلك فحتى هذا الوقت لم يتقدم أي نائب ببلاغ عن هذا الامر ليكشف تفاصيله واسراره أو تتحرك النيابة العامة في معاقبة المسؤول عن السكوت كل هذه الفترة عن هذه الايداعات والتقصير فيما اوجبه عليه قانون غسل الاموال في الابلاغ عن أي عملية مشبوهة، وما دمنا نتحدث هنا عن القانون فمن المفيد توضيح دور اطراف هذه الواقعة ومدى وضوح مسؤوليتهم القانونية.
فالصحيفة وفق ما نشرته خالفت نص المادة 21 فقرة 7 من القانون رقم 3 لسنة 2006 بشأن المطبوعات والنشر والتي حظرت نشر معلومات تخص اوضاع الناس المالية أو افشاء سر من شأنه ان يضر بسمعتهم أو بثروتهم… كما اشتركت مع من قام بتسريب تلك المعلومات في البنك بالجريمة المنصوص عليها في المادة (85) مكرر من القانون رقم 32 لسنة 1968 في شأن النقد وبنك الكويت المركزي والمهنة المصرفية هذا عن الصحيفة ودورها في الواقعة.
اما عن البنك فدوره بخلاف نص المادة السابقة مرتبط ايضا بالقانون رقم 35 لسنة 2002 بشأن مكافحة عمليات غسل الاموال، ويعرف غسل الاموال بأنه «كل سلوك ينطوي على اكتساب اموال أو حيازتها أو استخدامها أو التصرف فيها أو ادارتها أو حفظها أو استبدالها أو ايداعها أو ضمانها أو استثمارها أو نقلها أو تحويلها أو التلاعب في قيمتها، اذا كانت متحصلة من جريمة مع العلم بذلك، متى كان القصد من هذا السلوك اخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو كيفية التصرف فيه أو حركته أو ملكيته أو الحقوق المتعلقة به أو المشاركة في ارتكاب أي فعل من تلك الافعال أو الشروع في ارتكابه، ويعاقب مرتكب أي صورة من هذه الصور بنص المادة السادسة من القانون سالف الذكر «بالحبس مدة لا تزيد على سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن نصف قيمة الاموال محل الجريمة ولا تزيد على كامل قيمة هذه الاموال وبمصادرة الاموال والممتلكات والعائدات والوسائط المستخدمة في ارتكاب الجريمة، ولا يحول انقضاء الدعوى الجزائية لأي سبب من الاسباب دون الحكم بمصادرة الاموال المتحصلة من عمليات غسل الاموال». وقد يكون القائمون على غسل الاموال اناساً غير مشتركين في الجريمة الاصلية الواقعة سوى انهم يساعدون في اظهار الاموال على انها شرعية وهؤلاء الاشخاص قد يكونون اصحاب بنوك أو مضاربين أو مستشارين ماليين أو محامين أو محاسبين أو رجال اعمال، كافة تلك المهن واكثر منها لديها القدرة على مساعدة صاحب الاموال غير القانونية بالصفقات المالية المصممة بهدف اخفاء الاموال.
ولمحاربة غسل الأموال انضمت الكويت بالقانون رقم 35 لسنة 2002 للدول المحاربة جريمة غسل الأموال واستفادت من الخبرات الدولية في هذا المجال وتبع ذلك مبادرة بنك الكويت المركزي الى اصدار تعليماته رقم / 2 رم 92/2002 في شهر اكتوبر من عام 2002، اعادة تصميم كشف عمليات الايداع النقدي للمبالغ الكبيرة بما يمكن البنوك من تصنيف وتحليل البيانات بصورة الكترونية، الامر الذي يزيد من كفاءة وفاعلية عملية المراجعة، كما صدر قرار من قبل بنك الكويت المركزي رقم 2003/1/191 بشأن انشاء وحدة التحريات المالية الكويتية في بنك الكويت المركزي ويرأسها محافظ بنك الكويت المركزي (بصفته) وتختص تلك الوحدة بتسلم البلاغات عن عمليات غسل الاموال الواردة من النيابة العامة وجمع المعلومات والبيانات الخاصة بتلك البلاغات وفقا لصيغة قرار الاحالة من النيابة وتحليل المعلومات والبيانات المرتبطة بالبلاغات المشار اليها في البند السابق وموافاة النيابة العامة بالرأي الفني في تلك البلاغات.
نعود لدور البنك حيث اوجب القانون رقم 35 لسنة 2002 بشأن مكافحة عمليات غسل الاموال بالمادة (3) على البنوك وشركات الاستثمار ومؤسسات وشركات الصرافة وشركات التأمين وغيرها من المؤسسات المالية والاشخاص الذين يصدر بتحديدهم قرار من وزير المالية الالتزام بما يلي:
-2 التحقق من هوية عملائها وفقاً لوثائق رسمية صادرة من الجهات المختصة بالدولة.
-3 الاحتفاظ بجميع المستندات والوثائق الخاصة بالمعاملات التي اجرتها سواء كانت محلية او خارجية بما فيها صور من الهوية الشخصية لعملائها، وذلك لمدة خمس سنوات على الاقل من تاريخ اتمام المعاملة.
-4 الابلاغ عن اي معاملة مالية مشبوهة اتصل علمها بها.
وعاقب من يخالف ذلك الالتزام بالعقوبات المنصوص عليها في المادة (11) والتي نصت على «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين الف دينار او باحدى هاتين العقوبتين، مع العزل من الوظيفة، كل من يتعين عليه الابلاغ وفقاً لاحكام البند الرابع من المادة (3) من هذا القانون ولم يبلغ عن معاملة مالية مشبوهة اتصل علمه بها او قام بافشاء معلومات وصلت الى علمه بحكم وظيفته تتعلق بجريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة (2) من هذا القانون او قام باتلاف او اخفاء مستندات او ادوات تتعلق بتلك الجرائم ومع عدم الاخلال بالاحكام المنصوص عليها في الفقرة السابقة يعاقب كل من يثبت تقصيره في القيام بأي من الالتزامات المنصوص عليها في المادة (3) من هذا القانون بالغرامة التي لا تجاوز مليون دينار.
وهذا يعني ان البنك ونقصد بذلك الموظف الذي تلقى تلك الايداعات منذ عام 2008 ولم يبلغ عنها معاقب بالعقوبة المنصوص عليها بالفقرة الأولى من المادة 11 بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين الف دينار او باحدى هاتين العقوبتين، مع العزل من الوظيفة.
كما ان البنك ذاته معاقب بالعقوبة المنصوص عليها بالفقرة الاخيرة من نص المادة 11 بالغرامة التي لا تجاوز مليون دينار لتقصيره في التزاماته وفق المادة 3، وتختص محكمة الجنايات بالنظر في هذه الجرائم.
اللافت في هذا الامر ان وقائع سابقة من التقصير في الابلاغ عن معاملات مشبوهة اتهم فيها موظفون في احد البنوك التي تقدمت بالبلاغات ومع ذلك ومنذ بدء الايداعات في عام 2008 لم تتحرك ادارة البنك بالتقدم بالبلاغ وهو امر يثير التساؤلات والعجب؟! لماذا الآن؟!.. انها السياسة.. الصحافة.. السحر «فالبلاغات من البنوك عن غسل الاموال في حين ان الاعلان عن الواقعة انه مال سياسي ورشوة.. في هذا التوقيت.. ولكي تعرف اكثر وتتعجب اكثر انظر الى نتيجة الخبر في واقعنا السياسي؟! اقول نحن رجال القانون الاعمى لا ندافع عن احد ولكن هذا الضجيج الذي في الشارع لابد ان يعمي اعيننا عن القانون الجرائم الواضحة ونجري وراء سراب حيث لا يوجد راشٍ او مرتشٍ نحن امام جريمة غسل اموال.
ليزيد العجب والسحر اجيب ان اثبات جريمة الرشوة وغسل الاموال من الصعوبة في العمل القانوني حيث يتطلب تحريات مضنية واثبات يقيني قد يتعذر في هذه الواقعة اثباتهما وقد تضطر النيابة العامة الى حفظها ما لم يتم التحقق من الاتهام واستقرار ادلة الثبوت وعمل التحريات بواسطة مكتب مكافحة جرائم غسل الاموال ومن هنا الخطأ فكل هذه المقدمات بعد البلاغ لابد ان تحدث قبل ارسالها الى النيابة حتى لا يكون هناك قصور واستعجال او تشنج في الاتهام لا ان تكون سلطة الاتهام والموجه هو مقال في جريدة؟! لانه قد تكون العواقب كبيرة مع من احيل ملفه للنيابة وذلك بتهمة البلاغ الكاذب والتعويض عن الاقرار التي لحقت بصاحب الحساب.
وهنا اطرح سؤالا لكي تجيب عليه انظر في مردود الخبر سياسيا والروابط بين طرفي الخبر لتعرف الاجابة، من هم السبب في ضياع معالم جريمة الرشوة وغسل الاموال التي يتحدث عنها الشارع السياسي لكي نعرف الحقيقة وندين من تورط فيها اليسوا هم البنوك ابتداء الذين سكتوا عن هذه الايداعات؟ اذا ما قررت النيابة العامة حفظ التحقيق ومن استفاد لتحقيق مآربه من هذه الحالة الغامضة والتوقيتات المريبة اليسوا هم رجال السياسة لتصفية حسابات؟
وفي النهاية علينا كرجال قانون ان نعطي رأينا بتجرد وموضوعية ونتحدث بلغة القانون دون تأثير كائنا ما كان على النيابة العامة الا تدخل في دهاليز جريمة الرشوة لصعوبة اثباتها بوجهة نظرنا وان تركز على تهمة غسل الاموال لانها هي الاقرب الى التجريم في الجريمة السابقة. 

جريدة الوطن